بعد مطاردة استمرت واحدًا وعشرين عامًا، تمكنت المخابرات الأميركية من القضاء على زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، بغارة نفذتها طائرة دون طيار على منزل وسط العاصمة الأفغانية، كابل. والظواهري هو أحد مؤسسي تنظيم القاعدة وثاني أمير له خلفًا لأسامة بن لادن عقب اغتياله في 2011 بعملية أميركية، في مدينة “إيبت أباد” قرب العاصمة الباكستانية، إسلام أباد. وسبق للظواهري أن عمل مستشارًا لابن لادن، وتزعم تنظيم الجهاد الإسلامي العسكري المحظور في مصر.

وقوبل إعلان الرئيس الأميركي، جو بايدن، عن مقتل زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، بردود فعل واسعة، تباينت بين مرحِّبة وأخرى منتقدة ومستنكرة، كما جرى التشكيك بالرواية الأميركية.

وقد اغتيل أيمن الظواهري، وسط العاصمة الأفغانية، كابل، في غارة جوية -نفذتها المخابرات الأميركية- تعد الأولى من نوعها بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان. واستطاع الظواهري -المطلوب رقم 1 في واشنطن- أن يتوارى عن أنظار القوات الأميركية طوال 11 عامًا، رغم وجود القوات الأميركية على الشريط الحدودي بين أفغانستان وباكستان.

ويقع المنزل الذي استهدفته المسيَّرة الأميركية في الحي الدبلوماسي ويبعد قليلًا عن القصر الرئاسي والسفارة البريطانية في العاصمة، كابل، وعاش فيه اثنان من كبار مساعدي الرئيس الأفغاني المنصرف، أشرف غني، وبعد هروب غني من البلاد، اختار زعيم تنظيم القاعدة هذا البيت مأوى له.

تناقش هذه الورقة آثار وتبعات اغتيال الظواهري على علاقة حركة طالبان مع الولايات المتحدة والقاعدة.

ملابسات الاغتيال

تقول الرواية الأميركية: إن واشنطن قتلت الظواهري بصاروخ أطلقته طائرة مسيرة بينما كان يقف في شرفة مخبئه في كابل. ويؤكد مصدر أمني سابق: “كان الظواهري يتردد على الشريط الحدودي بين أفغانستان وباكستان لأن هذه المناطق كانت تخضع لسيطرة حركة طالبان ولم يكن باستطاعة الحكومة الأفغانية السابقة ولا الولايات المتحدة الوصول إليه، واغتياله بهذه الطريقة محل شك وريب، ومقتل الظواهري سيخلق سيناريوهات جديدة بفاعلين جدد وأهداف جديدة على المستوى الإقليمي”(1)

وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، اعتبر أن طالبان “انتهكت بشكل صارخ” اتفاق الدوحة باستضافة الظواهري وإيوائه، ولكن مسؤولي طالبان يؤكدون أن “إمارة أفغانستان الإسلامية” ملتزمة بالاتفاق الموقع في العاصمة القطرية، الدوحة.

أيمن الظواهري (مواقع التواصل)

لم تعلن الحكومة الأفغانية رسميًّا مقتل أيمن الظواهري، واكتفت بإصدار بيان حول قصف منزل في الحي الدبلوماسي وسط كابل ولم يأت البيان على ذكر وجود زعيم القاعدة في كابل. ونددت الحكومة الأفغانية بالهجوم الأميركي واعتبرته انتهاكًا صريحًا لسيادة البلاد. وأدانت حركة طالبان الهجوم ووصفته بأنه انتهاك للمبادئ الدولية واتفاق الدوحة، وذكر ذبيح الله مجاهد أن “هذه الأعمال هي تكرار للتجارب الفاشلة خلال السنوات الـ 20 الماضية وستضر بالفرص المتاحة”، وهو ما يفسره الباحث والكاتب السياسي، حكمت جليل، بقوله: “تدرك الحكومة الأفغانية جيدًا خطورة اغتيال الظواهري في العاصمة، كابل، لأنه خرق صريح لما اتُّفق عليه بين الولايات المتحدة وطالبان في الدوحة، وستخسر طالبان ثقة المجتمع الدولي وخاصة دول آسيا الوسطى والصين”(2).

تثير عملية اغتيال أيمن الظواهري مجموعة من الأسئلة المهمة بشأن توقيتها ومكانها وما ستتركه من تبعات على مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان من جهة، وبين القاعدة وطالبان من جهة أخرى.

وبدأت حركة طالبان التحقيق في الحادث، وهو ما قد يشير إلى أن قيادة الحركة لم تكن على علم بوجوده هناك، وقال سهيل شاهين، ممثل طالبان المُعين لدى الأمم المتحدة ومقره الدوحة، في رسالة وصلت إلى الصحافة: “لم تكن الحكومة أو القيادة على علم بهذه المزاعم”، وأشار إلى أن “التحقيق جار الآن لمعرفة مدى صحة المزاعم”، وسيتم نشر نتائج التحقيق علنًا.

شروط اتفاق الدوحة

في الأسبوع الماضي شارك مبعوث الرئيس الأميركي إلى أفغانستان، تام ويست، في مؤتمر إقليمي في العاصمة الأوزبكية بشأن أفغانستان، ركز المبعوث في كلمته على مكافحة الإرهاب، في حين أكد وزير الخارجية الأفغاني بالوكالة، أمير خان متقي، في كلمته أن بلاده تلتزم باتفاق الدوحة ولا تسمح باستخدام الأراضي الأفغانية قاعدة للإرهاب العابر للحدود وأن الإمارة الإسلامية وفرت الأمن والاستقرار في البلاد.

أثناء مؤتمر طشقند كانت المخابرات الأميركية تضع اللمسات الأخيرة على عملية اغتيال أيمن الظواهري. ويبدو أن وجود الظواهري في كابل يقوض تصريحات وزير الخارجية الأفغاني ووعود حركة طالبان بقطع العلاقات مع جماعات وحركات مسلحة مثل القاعدة. إضافة إلى ذلك، يزيد اغتيال الظواهري من تعقيد المناقشات التي عُقدت الأسبوع الماضي بين طالبان والمسؤولين الأميركيين بشأن إلغاء تجميد أصول البنك المركزي الأفغاني.

الاغتيال: التوقيت الحرج

بعد اغتيال أيمن الظواهري سارع كل من وزير الخارجية والمتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركي إلى اتهام حركة طالبان بخرق اتفاق الدوحة ولكن الحركة اتهمت الولايات المتحدة بانتهاك السيادة الوطنية لأفغانستان واعتبرت الهجوم تكرارًا لتجارب فاشلة.

يقول نعمت الله بيزن في الجامعة الوطنية في أستراليا: “وجود الظواهري في كابل يؤكد على علاقة وثيقة بين القاعدة وحركة طالبان أو على الأقل بجزء من طالبان. في كلتا الحالتين، انتهكت طالبان اتفاق الدوحة وستفكر واشنطن في إجراءات صارمة ضد حركة طالبان وستكون هناك عقوبات جديدة والشعب الأفغاني هو من سيدفع الثمن كما حصل أيام وجود سلفه ابن لادن في أفغانستان في تسعينات القرن الماضي”(3).

وجاء اغتيال زعيم تنظيم القاعدة في توقيت حرج بالنسبة للحكومة الأفغانية الجديدة؛ حيث اغتيل الظواهري على بعد أمتار من القصر الرئاسي والسفارات الأوروبية وقبيل الاحتفال بمرور عام على انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان. لقد أفسدت الولايات المتحدة على حركة طالبان نشوة النصر وأحرجت الحكومة الجديدة أمام الشعب وأمام مقاتليها، وأرسلت رسالة إلى الجميع بأنها انسحبت من أفغانستان ولكنها موجودة في المنطقة وتراقب كل شيء عن كثب، واستهداف الظواهري هو أول هجوم تحدث عنه الرئيس الأميركي في إطار مكافحة الإرهاب في أفغانستان منذ انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان.

يقول مسؤول سابق في المخابرات الأفغانية: “تريد الولايات المتحدة القول بأنه وعلى الرغم من انسحابها من أفغانستان إلا أن الحرب ضد “الإرهاب” ما زالت مستمرة. لقد لوحظ أخيرًا أن أعدادًا كبيرة من عناصر تنظيم القاعدة توجهوا إلى أفغانستان، وهو أمر أقلق الكثير من الجهات”.

ينص اتفاق الدوحة على أن الولايات المتحدة وحلفاءها سيعترفون بالحكومة التي ستنبثق من رحم الاتفاقية، ولكن بعد وصول طالبان إلى السلطة خلطت مغادرة الرئيس الأفغاني المنصرف، محمد أشرف غني، العاصمة، كابل، عشية دخول طالبان إليها، الأوراق، وأصبح حكم طالبان أمرًا واقعًا ولكن بعد مرور عام على ذلك فقدت طالبان عمليًّا رغبة المجتمع الدولي بالاعتراف بحكومتها.

يقول الكاتب والمحلل الإستراتيجي، وحيد فقيري: “إن عملية اغتيال زعيم القاعدة في أفغانستان تعقِّد العلاقة بين الولايات المتحدة وطالبان على الأقل في المدى القريب وتؤجل عملية رفع العقوبات، إضافة إلى ذلك ستخلق أزمة ثقة بين قيادات في طالبان، وتشجع الناس وخاصة الشباب على مغادرة البلاد، ووجود الظواهري في أفغانستان يعارض المصالح الوطنية، وعلى حركة طالبان أن تفكر كدولة وليس كحركة مقاتلة”(4).

يوضح اغتيال زعيم تنظيم القاعدة على يد المخابرات الأميركية أن حركة طالبان لم تقطع علاقتها بتنظيم القاعدة كما ينص اتفاق الدوحة، وتضع عملية الاغتيال علاقة الولايات المتحدة وطالبان ومصير اتفاق الدوحة في وضع خاص.

يقول مصدر أمني: “لم يتضح بعد ما هي الإجراءات المحددة التي ستتخذها الولايات المتحدة بعد عملية اغتيال الظواهري في كابل، من المحتمل أن تعمل الولايات المتحدة على فرض المزيد من العقوبات على قادة طالبان، بما في ذلك إعادة فرض القوائم السوداء وحظر السفر. والأهم من ذلك أن فرص الاعتراف بطالبان والمناورات الدبلوماسية التي تقوم بها في المنطقة والعالم ستنخفض بشكل كبير”(5).

عملية اغتيال الظواهري كانت مشابهة جدًّا للهجوم الذي شنَّته القوات الأميركية، عام 2011، قرب العاصمة الباكستانية، إسلام أباد، على منزل لمؤسس تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، وساءت العلاقة بين الولايات المتحدة وباكستان التي تعتبر حليفًا مهمًّا لواشنطن خارج حلف الناتو. ومن المؤكد أن عملية اغتيال الظواهري وضعت حركة طالبان في موقف حرج وصعب للغاية وفرضت تحديات على الحركة مواجهتها، وهي التي تعلمت ممارسة لعبة مزدوجة باستخدام أدوات من مجموعات مسلحة أخرى وإقامة علاقة معها من أجل اكتساب المزيد من الفرص للبقاء والحصول على الموارد المالية.

يعتقد المبعوث الأميركي السابق إلى أفغانستان، زلماي خليل زاد، أن شبكة حقاني هي التي وفرت ملاذًا آمنًا لزعيم تنظيم القاعدة “يبدو أن شبكة حقاني كانت على علم بوجود الظواهري في العاصمة، كابل، وأن قادة آخرين في طالبان كشفوا للولايات المتحدة عن مكان الظواهري”(6).

العلاقة مع القاعدة

يرى خبراء في الشأن الأفغاني أن عملية اغتيال أيمن الظواهري قد تساعد حركة طالبان على التخلص من ضغوط أميركية وأجنبية بتسليم الظواهري كما حدث مع مؤسس تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن (غيتي)

سيؤدي استهداف أيمن الظواهري من قبل المخابرات الأميركية في العاصمة، كابل، إلى توتر وانعدام الثقة بين حركة طالبان والقاعدة اللتين ارتبطتا بعلاقات وثيقة استمرت لثلاثة عقود. فرغم ضغوط الولايات المتحدة وعدد من الدول الإسلامية لم تعلن الإمارة الإسلامية قطع علاقتها مع تنظيم القاعدة رغم التزامها في مفاوضات الدوحة بأنها ستحارب الإرهاب ولن تسمح باستخدام الأراضي الأفغانية ضد الآخرين.

ستحمِّل القاعدة حركة طالبان مسؤولية اغتيال الظواهري على أساس أنها توفر له الحماية والأمن، يقول مصدر أمني سابق: “لا يمكن الجزم بأن الحركة متورطة في اغتيال الظواهري، ويمكن القول: إن أحد أعضاء الحركة سرَّب خبر وجوده في كابل وهذا سيفتح الطريق إلى تحقيق داخلي في حركة طالبان، وسيعيد خليفة الظواهري التفكير في آليات العلاقة مع طالبان”(7).

يرى خبراء في الشأن الأفغاني أن عملية اغتيال أيمن الظواهري قد تساعد حركة طالبان على التخلص من ضغوط أميركية وأجنبية بتسليم الظواهري كما حدث مع مؤسس تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، أيام حكم حركة طالبان في تسعينات القرن الماضي، وسيبرِّر التنصل من الالتزام بتوفير الملاذ الآمن لخليفة الظواهري.

 خلاصة

يمكن أن يؤثر مقتل الظواهري على سير الأحداث في أفغانستان، وإذا ما ثبت أن وشاية من داخل الحركة قادت إلى الكشف عن ملاذ الظواهري فإن ذلك سيُلقي بظلال ثقيلة على العلاقة بين طالبان والقاعدة. وقد يكون ذلك فاتحة لتتخلص طالبان من عبء علاقة مكلفة تكبلها في سعيها للحصول على اعتراف دولي وحل مشكلة الحكم المتفاقمة في أفغانستان.

لم يُشِر الرئيس الأميركي إلى التنسيق مع حركة طالبان، في عملية الاغتيال، وقد اتفق الطرفان في اتفاق الدوحة على “محاربة الإرهاب والتنسيق قبل تنفيذ أية عملية عسكرية في أفغانستان”، وعدم إبلاغ الحكومة الأفغانية بالعملية يعكس استمرار أزمة الثقة بين الولايات المتحدة وحركة طالبان.

تعمدت الحركة التنديد بالغارة الجوية الأميركية دون التطرق إلى المستهدَف، ولا يُتوقَّع أن يكون لذلك تأثيرات جذرية على اتفاق الدوحة، خاصة مع تأكيد أميركي بأن هناك أساسًا قانونيًّا للعملية التي استهدفت الظواهري، وأن الولايات المتحدة تريد الاستمرار في الحوار مع حركة طالبان وتتوقع منها الالتزام باتفاق الدوحة. ويلتقي ذلك مع رغبة الحركة في الحصول على الاعتراف الدولي، والإفراج عن الأموال المُجمَّدة في الولايات المتحدة.

قد لا يكون اغتيال الظواهري بنفس مستوى تأثير اغتيال ابن لادن، ولكن خبراء يعتقدون أنها تمثل “نهاية الجيل المؤسِّس لتنظيم القاعدة، وقد تؤدي إلى ظهور جيل جديد من الجهاديين”.

حمل الاغتيال رسالة أميركية واضحة بأن الولايات المتحدة لا تزال لها يد طويلة في المنطقة رغم انسحابها، وهو ما سيترك تأثيره على طبيعة تحركات تنظيم القاعدة في أفغانستان المنطقة وتقييمها للوجود الأميركي.

______________________________

هذا المقال مأخوذ عن مركز الجزيرة للدراسات.

المصدر: وكالات + الجزيرة نت

Share.

صحفية عراقية من اربيل خريجة وزارة الاعلام في اربيل سنة 2004

Leave A Reply