بيروت- يعرف اللبناني أحمد المرقباوي أن حليب الأطفال صار من الكماليات التي يعجز عن توفيرها لابنه البالغ عامًا ونصف العام. ويقرّ مستنكرا “عن أي حليب تسألوننا؟” ثم تستدرك زوجته “الحليب مفقود ولا نجده إلا بالسوق السوداء بأسعار باهظة، كنا ننتظر عبوات الحليب من الجمعيات، لكنها اختفت أيضًا. أصبحت أستعمل أي حليب بقري رخيص الثمن، أو استبدله باللبن والسكر، مما تسبب بمشاكل عديدة بالأمعاء والمعدة لطفلي”.

وتلقى أحمد وزوجته -كسائر الأسر الفقيرة بلبنان- خبر رفع الدعم كليًا عن استيراد حليب الأطفال بخيبة أمل شديدة.

ويعيش أحمد الذي يعمل يومين ويعطّل عشرة وفق تعبيره في “حي التنك” بالميناء شمالي البلاد. ويقول للجزيرة نت إنه لا يستطيع شراء عبوة حليب لطفله الذي سبق أن خضع لعملية قلب مفتوح، لأن ثمنها يعادل 3 أيام عمل كي يتمكن من شرائها.

وفي هذا الحي، تسكن مئات الأسر من عائلات معدومة مع بعض اللاجئين السوريين، وبيوتهم عبارة عن أحجار متراكمة مسقوفة بألواح من الحديد. وتجد صغارا يلعبون في باحته المغمورة بمياه المجاري بوجوه شاحبة وبنية هزيلة، بعضهم يتناول الخبز، وآخرون يتبادلون أنواعا البطاطس المصبوغة بالملونات.

تقول إحدى الأمهات ولديها طفلان “نلهي أطفالنا بأنواع من طعام الرخيص لسد جوعهم، لأن حليب الأطفال غير متوفر على الإطلاق”.

الحكومة اللبنانية قررت وقف الدعم الكلي لاستيراد حليب الأطفال(غيتي)

حليب بلا دعم

وفي خطوة متوقعة، أعلن فراس أبيض، وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال، عن وقف الدعم الكلي لاستيراد حليب الأطفال. وقال “لبنان يدعم الحليب لبلدين” ويقصد عمليات التهريب لسوريا برا عبر المعابر غير الشرعية، مما أدى لعدم توفره في الصيدليات اللبنانية.

وبينما كانت الأسر اللبنانية تعاني من عدم توفر حليب الأطفال، شكل قرار الوزير عبئا إضافيا ببلد يعاني نحو 80% من سكانه من الفقر.

وفي حديث مع الجزيرة نت، أكد الوزير أن لبنان كان يستورد عبوات حليب الأطفال لبلدين، وكان معظم التجار يقومون بتهريبه لسوريا أو سحبه من الأسواق “لإعادة بيعه بأسعار أغلى”.

ومند انفجار الأزمة الاقتصادية خريف 2019، وما تبعها من انهيار حاد لليرة، تصاعدت أزمة تهريب البضائع المستوردة من لبنان إلى سوريا. وبلغت ذروتها عندما فرضت الحكومة على مصرف لبنان المركزي استيراد السلع وفق سعر الصرف الرسمي للدولار وهو ما يوازي 1507 ليرات، فنشط تهريب المحروقات والمواد الغذائية على نطاق واسع إلى سوريا واختفت من الأسواق اللبنانية، ولم تتوفر إلا بعد ما رفعت الحكومة الدعم الكلي عنها منتصف 2021.

وما تزال الحكومة اللبنانية تدعم القمح وبعض أدوية الأمراض المستعصية مثل السرطان.

ويعود الأبيض ليقول إن وزارته غير مسؤولة عن ضبط الحدود مع سوريا، رافضا اتهامه باختيار الطريق في رفع الدعم عن حليب الأطفال، ويضيف “هذه هي الوسيلة الوحيدة لتوفير الحليب بالصيدليات”.

ويوضح الوزير أن الحليب خلافًا للأدوية يجري توزيعه على نحو 3 آلاف صيدلية، ويباع بلا وصفة طبية.

ويؤكد إن لدى وزارته أقل من 10 مفتشين لمراقبة الأسواق، ولا يمكن ضبط عمليات تخزين الحليب واحتكاره، لافتا إلى أن الحليب يصل عبر المرفأ، واختفاءه من الأسواق تسبب بإغراق السوق بنوعيات حليب رخيصة غير جيدة تدخل البلاد بصورة غير شرعية أيضا.

ومن وجهة نظره، فإن أزمة اختفاء الحليب تلقي بظلالها على مشكلة تراجع الرضاعة الطبيعية بلبنان “رغم وضع الوزارة خطة لدعمها وتشجيعها”.

الأسر اللبنانية تعاني من عدم توفر حليب الأطفال (شترستوك)

وفي جولة على عدد من الصيدليات اللبنانية، وجدت الجزيرة نت أن معظم أصناف حليب الأطفال ما زالت غير متوفرة بعد اليوم الأول لرفع الدعم عنه.

وتتوقع الصيدلانية صبا صيداوي أن يصبح الحليب متوفرا بغضون أيام. وتقول للجزيرة نت إن حليب الرضع اختفى من الأسواق منذ 3 أشهر، وبين فترة وأخرى كان يصلهم من الوكلاء كميات محدودة لا تتعدى 5 عبوات، مقابل توفير عبوات أكثر للحليب الخاص بالحالات المرضية لدى الأطفال.

ويفيد موظف بصيدلية أخرى أن الطفل يحتاج 4 عبوات حليب على الأقل شهريا، وسعرها حاليا مليون و350 ليرة (30 دولارا) أي ما يوازي نحو ثلث معدل راتب موظف بالقطاع العام.

A baby stays in a shopping cart as his mother selects baby milk in a supermarket in Haikou, south China's Hainan province on August 7, 2013. China has fined six mostly foreign baby formula companies a total of 108 million USD for price-fixing, the government said on August 7, in reportedly the country's biggest-ever anti-trust penalty. The firms fined were Mead Johnson and Abbott from the US, Dumex, a subsidiary of France's Danone, a China arm of Royal FrieslandCampina of the Netherlands, New Zealand giant Fonterra -- at the centre of a health scare this week -- and China's Biostime, the National Development and Reform Commission (NDRC) said in a statement.
تقديرات تفيد بأن الطفل يحتاج 4 عبوات حليب على الأقل شهريا (غيتي)

تداعيات الدعم والتهريب

يقول رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي اللبناني شارل عربيد -في حديثه للجزيرة نت، أن الأزمة الفعلية تكمن بسياسة الدعم نفسها التي ذهبت إليها السلطات الحكومية وأهدرت عليها مليارات الدولارات، ولم تستفد منها الأسر الأكثر فقرًا، بينما استفاد منها الأغنياء والتجار والمحتكرون، وساهمت بدرجة كبيرة في تعزيز نشاط شبكات التهريب مع سوريا، وفق تعبيره.

ولو ذهبت الحكومة إلى دعم الأسر الأكثر فقرًا، عبر برنامج واضح مثل البطاقة التمويلية التي عمل المجلس على وضع تصور لها، ولم تنفذها وزارة الشؤون الاجتماعية بعد “لتم تفادي كل تداعيات سياسة الدعم الخاطئة” بحسب عربيد.

ويعتقد رئيس المجلس الاجتماعي أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم ضبط الحدود البرية مع سوريا، مما تسبب بنزف اقتصادي حاد بلبنان ضاعف أزمته بسبب غياب الرقابة.

وقال أيضا إن رفع الدعم عن الحليب، أو غيره من السلع، لن يحل أزمة التهريب التي يجب ضبطها أمنيا.

ويؤكد عربيد أن المسؤولية مشتركة لمواجهة الانفلات الحدودي برًا، داعيا لضرورة انتظام العلاقة بين البلدين على قاعدة احترام السيادة بدءًا من وقف قنوات التهريب، للسلع والأشخاص “لأن الثمن الذي يدفعه لبنان باهظ جدا، اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا”.

المصدر: وكالات + الجزيرة نت

Share.

صحفية عراقية من اربيل خريجة وزارة الاعلام في اربيل سنة 2004

Leave A Reply