بيروت- في أول استحقاق حكومي بعد انتخابات أفرزت كتلا سياسية بلا أكثرية وأقلية بالبرلمان اللبناني، أصدر رئيس الجمهورية ميشال عون أمس الخميس مرسوما بتكليف نجيب ميقاتي لتشكيل الحكومة الأخيرة من عهده قبل نحو 4 أشهر من الانتخابات الرئاسية في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

ونال ميقاتي بالاستشارات الإلزامية التي أجرها الرئيس عون تصويت 54 نائبا من أصل 128، وامتنع 46 نائبا عن التصويت، وأحرز الدبلوماسي نواف سلام 25 صوتا، وذهب صوت واحد لرئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري.

وعقب تكليفه، قال ميقاتي “إننا أمام لحظة مسؤولية تاريخية، نتعاون فيها جميعا لاستكمال مسيرة الإنقاذ الفعلي”.

ميقاتي (وسط) صوت له 54 نائبا من أصل 128 وامتنع 46 (رويترز)

سيرة الرئيس المكلف

والمفارقة أن ميقاتي كلف وهو رئيس لحكومة دخلت مرحلة تصريف الأعمال بعد الانتخابات البرلمانية، ونال لدى تكليفه بتشكيلها 72 صوتا، وكان حينها نائبا ورئيس كتلة برلمانية وزعيما سياسيا لمدينة طرابلس التي يتحدر منها. في حين امتنع عن الترشح بالانتخابات الأخيرة، كحال مختلف رؤساء الحكومة السابقين، وفي طليعتهم سعد الحريري وفؤاد السنيورة وتمام سلام.

وتعود رئاسة الحكومة عرفيا للطائفة السنية التي تشكو بدورها من تشتت التمثيل البرلماني، على إثر تعليق تيار المستقبل بزعامة الحريري عمله السياسي لأول مرة بتاريخه، مما جعل من تكليف ميقاتي الأول من نوعه أيضا بعد غياب الحريري كمنافس ومرشح طبيعي لرئاسة الحكومة.

وميقاتي (66 عاما) رجل أعمال وملياردير من بين كبار أثرياء العالم، وتقدر مجلة فوربس ثروته بـ 2.7 مليار دولار. وقبل حكومة عام 2021، ترأس حكومتين عامي 2005 و2011، ووصفت الأخيرة بحكومة اللون الواحد التي طغى عليها نفوذ حزب الله.

وسجل تكليف ميقاتي الخميس وقائع ستلعب دورا محوريا بمخاض تأليف حكومته الرابعة، وأبرزها:

  •  تصويت ثنائي حزب الله وحركة أمل وبعض حلفائهما من قوى 8 آذار لصالح ميقاتي.
  • امتناع أكبر تكتلين مسيحيين من التصويت لميقاتي وهما حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، وعدم منح أصوات نوابهما لمرشح آخر، علما بأنهما لم يصوتا لميقاتي بحكومته الأخيرة.
  •  تشتت أصوات قوى 14 آذار، إذ امتنعت القوات عن التصويت لنواف سلام في حين صوت له تكتل الحزب التقدمي الاشتراكي برئاسة تيمور وليد جنبلاط.
  •  تصويت 10 نواب من قوى التغيير لسلام، كتعبير عن رفضهم تكليف ميقاتي.
  • غياب تكتل سني داعم لميقاتي، وتشتت أصوات النواب السنة بين ممتنعين عن التصويت وداعمين لسلام وبعض الأصوات ذهبت لميقاتي.

وفي تحليل لدلالات تكليف ميقاتي، حاورت الجزيرة نت كلا من: المحلل والكاتب السياسي جان عزيز، الصحافي والمحلل السياسي علي حمادة، الخبير الاقتصادي منير يونس.

قراءة في نتائج التكليف

يعتبر عزيز أن نيل ميقاتي أصواتا أقل من نصف نواب البرلمان كان متوقعا، لأنه منذ خريف 2019 وقعت حسابات داخلية وخارجية، أدت لتفتيت النظام اللبناني وضرب مؤسساته. لذا “جاءت نتيجة تكليف ميقاتي مكملة لنتائج الانتخابات البرلمانية ومنبثقة من طبيعتها التي كرست العجز بإدارة الحكم”.

ويشكك بقدرة ميقاتي على تأليف حكومة قبل نهاية عهد الرئيس عون، ويرجح تحت ضغط الانهيارات إعادة تعويم كاملة أو جزئية لحكومة تصريف الأعمال التي لم تثبت برأيه جدارتها بمقاربة الملفات الحساسة، وكان آخرها ترسيم الحدود مع إسرائيل.

ويقول الكاتب السياسي إن تكليف ميقاتي يفتقر إلى شرعيات ثلاث: غياب الشرعية المذهبية الواضحة والمعلنة من طائفته السنية، غياب الشرعية الميثاقية الطائفية بامتناع كتل مسيحية وازنة عن التصويت له، وغياب الشرعية الوطنية لأن ميقاتي لا يحظى بأي تمثيل برلماني.

بالمقابل، يجد حمادة أن نتيجة الاستشارات الإلزامية كنتيجة انتخابات البرلمان ورئيسه ونائبه وهيئة مكتبه “عكست ضياعا بالتموضع السياسي، نتيجة ضبابية خيارات الكتل الوازنة، فصوتت بطريقة لا تعكس مضمون شعاراتها السياسية”.

مسيحيا، يرى حمادة أن القوات اللبنانية أرادت إيصال رسالة مفادها ألا حلول قبل انتهاء عهد الرئيس عون. في وقت لم يصوت لميقاتي التيار الوطني الحر (برئاسة جبران باسيل) “لأنه لم يتوصل لاتفاق معه حول حصته من توزيع الحقائب الوزارية والتعيينات، فأراد ضرب الميثاقية المسيحية لحكومته شكليا، وبنفس الوقت قد يشارك بها عبر توسيع حصة رئيس الجمهورية بعدد الوزراء تعويضا عن غيابه”.
والسؤال -الهام برأيه- يتمحور حول قدرة ميقاتي على تأليف الحكومة، مع احتمال ألا تبصر النور “طالما أن ميقاتي رئيس حكومة تصريف أعمال تعمل بالحد الأدنى”.

التحديات السياسية والرئاسية

سياسيا، يرجح عزيز ربط تأليف ميقاتي لحكومته بانتظار معضلتين:
– داخليا، ترقبه لما سيؤول إليه صراع القوى السياسية “في بازار” المحاصصة السلطوية لجهة توزيع الحقائب والتعيينات الإدارية.
– خارجيا، ترقبه لنتائج الإيقاع الخارجي، خصوصا بعد زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أنقرة وجولته العربية، وما سيؤول إليه هذا الإيقاع منتصف الشهر المقبل بزيارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى دول خليجية وعربية.

ويرى عزيز أن الملف الأكثر إلحاحا، أمام حكومة ميقاتي، طابعه مالي ونقدي واقتصادي ومعيشي، ويجده عاجزا عن معالجته، رغم أنه مدخل إلزامي للاتفاق مع صندوق النقد الدولي.

ويصف الأشهر الأخيرة من عهد عون بالقاسية، مشككا أيضا بقدرة ميقاتي على معالجة ملفات حساسة خلالها، وأولها مفاوضات ترسيم الحدود غير المباشرة والصراع على الخطوط والغاز مع إسرائيل “ولأن حكومته الأخيرة لم تعكس حنكة بمواجهتها ومقاربتها”.

من جهته، يستغرب حمادة التعويل على ما يمكن أن تنجزه حكومة ميقاتي، لأنها استمرار عملي لما بدأه بلا سقوف عالية. وقال “من الواضح أن أطراف البرلمان الوازنة استقرت على رأي مفاده أن التغيير يبدأ بانتهاء عهد عون، وأن المرحلة الراهنة استقطاع وقت، بلا هزات وتطلعات كبيرة”.

ويذكر حمادة أن حكومة ميقاتي إن شُكلت فلن تعيش أكثر من 3 أشهر. وإذا حدث فراغ رئاسي، فستلعب دورا محوريا بإدارة الحكم، معتبرا أن احتمال الفراغ الرئاسي يوازي احتمال انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

لكن عزيز يعتبر أن انتظار المسؤولين للتسويات الخارج يدفع لبنان بقوة نحو الفراغ الرئاسي، رغم انعكاساته الكارثية على عجلة الانهيار والانحلال بمرافق الدولة ومؤسساتها.

Lebanon holds consultations over new PM
عون يلتقي وفد كتلة حزب الله البرلمانية في إطار الاستشارات النيابية (رويترز)

تحديات اقتصادية

وقبل دخولها مرحلة تصريف الأعمال، أقرت حكومة ميقاتي خطة التعافي الاقتصادي، وواكبت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي قبل توقيع اتفاق مبدئي على مستوى الموظفين، ويطرح كثيرون تساؤلات حول كيفية مقاربة حكومة ميقاتي للتحديات الاقتصادية المقبلة بعدما ضربت الأزمة قيمة الليرة أمام الدولار وسحقت قدرة اللبنانيين الشرائية ودفعت نحو 85% نحو طبقات الفقر.

وحتى لو شكل ميقاتي حكومته، لا يتوقع يونس منها نتيجة اقتصادية حاسمة، لأنها حكومة عدة أشهر. وإذا استمر الفراغ لاحقا، ستكون شبه معطلة “في ظل غياب الإجماع السياسي عن أي قرار اقتصادي موحد حقيقي خاص بحل الأزمة”.

ويجد الخبير الاقتصادي أن تأجيل الاتفاق النهائي مع صندوق النقد احتمال مرجح، إذا لم تدفع الحكومة المقبلة نحو إصلاحات جوهرية يطالب بها لجهة إقرار بنود الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتوحيد وتحرير سعر صرف الليرة.

ويذكر أن حكومة ميقاتي وعدت سابقا الموظفين براتب إضافي، مما يقتضي إقرار الموازنة وطبع المصرف المركزي لليرة، أي مزيد من التضخم. ويجد أن ملف الكهرباء والطاقة “أصعب المشاكل التي تترقبها الحكومة، ولم توحِ التجربة بالقدرة على علاجها”. والتحدي الخطير أمام حكومة ميقاتي، وفق يونس، هو كيفية إيجاد آلية مع المركزي والمصارف لإعادة أموال المودعين المقدرة بعشرات المليارات.

وقال “من الواضح أن لبنان ذاهب لما يسمى الإعاشة الدولية، وخير دليل الصندوق الفرنسي السعودي الذي أقر للمساعدات الإنسانية، مقابل إجماع المجتمع الدولي، أن حصول لبنان على مساعدات حقيقية وقروض بالمليارات مشروط بسلة متكاملة من الإصلاحات التي يقع على عاتق الحكومة الدفع لتنفيذها”.

المصدر: وكالات + الجزيرة نت

Share.

صحفية عراقية من اربيل خريجة وزارة الاعلام في اربيل سنة 2004

Leave A Reply