مع بدء الحرب الروسية في أوكرانيا، لم يكفَّ الروس عن تبرير هجومهم العسكري بوصفه “اجتثاثا للنازية” من البلاد. ففي الشهر الأول الذي بدأت فيه الحرب، قال الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” إن بلاده تُخطِّط لتحرير أوكرانيا من النازيين الجدد وأنصارهم وأيديولوجيتهم، وسرعان ما كرَّر بوتين كلماته تلك طيلة الأشهر الماضية، وكذلك نطق بها قادة روسيا كافة. وقد أعادت تلك العبارة إلى الأذهان سياسات الحقبة السوفيتية، التي ساوت التعبير عن الهويات القومية، لا سيَّما الأوكرانية، بالفاشية التي هزمها الروس أنفسهم في مسرح شرق أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية. وقد أراد الروس من تلك الإشارات النيلَ من الرئيس الأوكراني “فولودومير زيلينسكي” صاحب الأصول اليهودية، وليس التعرُّض لإسرائيل وسياستها البتة.

 

بقي الأمر كذلك حتى تعمَّد القائمون على البرنامج التلفزيوني الإيطالي “زونا بيانكا” النبش في الخلفيات التاريخية لحديث الروس المتكرر عن “اجتثاث النازية من أوكرانيا”، وذلك في أثناء استضافة البرنامج لوزير الخارجية الروسي “سيرغي لافروف”، إذ سُئل الرجل في الحوار: “كيف يمكن لروسيا أن تدَّعي أنها تقاتل لاجتثاث النازية في أوكرانيا في حين أن رئيس تلك الدولة نفسه يهودي؟”، وقد جاءت الإجابة الصادمة كالآتي: “يُمكِن أن أكون مخطئا، لكن هتلر كان له دم يهودي أيضا، ولم يعن ذلك شيئا على الإطلاق”.

 

قصمت هذه الإجابة “القشة” التي حرصت إسرائيل عليها سابقا للحفاظ على علاقاتها بموسكو، وسرعان ما صبَّ الإسرائيليون غضبهم على روسيا، فكتب وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك (رئيس الوزراء الآن) “يائير لَبيد” قائلا إنه “خطأ تاريخي فادح، فاليهود لم يقتلوا أنفسهم في الهولوكوست، إن أحطَّ مستوى من العنصرية ضد اليهود هو إدانة أنفسهم بمعاداة السامية”. ولكن مع ظهور عدة مواقف آخرها قرار موسكو إغلاق الوكالة اليهودية على أراضيها، بالإمكان الحديث الآن عن تدهور واضح في العلاقات الروسية-الإسرائيلية بعد نحو خمسة أشهر من اندلاع الحرب في أوكرانيا، التي اختارت إسرائيل استغلالها لاستعادة موقعها في التحالف الغربي وتقديم الدعم للأوكرانيين، حتى إذا جاء ذلك نسبيا على حساب علاقاتها مع موسكو.

 

موسكو وتل أبيب.. حماس سوفيتي لم يكتمل وتقارب مع بوتين

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) يصافح رئيس الوزراء السابق الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (يسار) خلال لقائهما في الكرملين في موسكو

لطالما وُجدَت صلات ثقافية وسياسية بين إسرائيل وروسيا، شكَّلت أساسا قويا لبناء علاقة بين الدولتين. فبالعودة إلى زمن قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، قدَّم الاتحاد السوفيتي دعما غير محدود لإقامة دولة يهودية على الأراضي الفلسطينية؛ حيث شاع الربط بين المشروع اليهودي الفار لتوِّه من جحيم النازية والمشروع السوفيتي الشيوعي الذي سعى لاحتضان اليهود أعداء النازية بطبيعة الحال، لا سيَّما وهُم يتوافدون على منطقة هَيمنت عليها حينئذ النُّظُم الملكية العربية “الرجعية” في نظر موسكو والمرتبطة بالاستعمار البريطاني والفرنسي. بيد أنه سرعان ما تبدَّلت الأوضاع، إذ بدأ رئيس الحكومة الأول في إسرائيل “ديفيد بن غوريون” بالابتعاد تدريجيا عن السوفييت لصالح الغرب، ثم وصلت الأمور إلى القطيعة إثر تفجير القنصلية السوفيتية بتل أبيب عام 1953.

 

أتى التحوُّل الأكبر حين انحاز الإسرائيليون للعدوان البريطاني-الفرنسي على مصر عام 1956 في حرب السويس (المعروفة بالعدوان الثلاثي)، والتي دشَّنت فعليّا عصر الجمهوريات العربية غير المنحازة رسميا لأي من القُطبين الدوليَّين، والأقرب للمعسكر السوفيتي فعليا. وقد أتت حرب يونيو/حزيران 1967 لتتسبَّب في قطيعة أشد قسوة بين موسكو وتل أبيب استمرت 24 عاما، حيث عزَّز السوفييت دعمهم السياسي والعسكري للعرب ضد إسرائيل، وتمسَّكوا بدعم مطالبهم في المحافل الدولية. ولم تعُد العلاقات إلا قُبيَل انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، حيث شهد عهد الرئيس الروسي “بوريس يلتسين” علاقات إيجابية بين الطرفين رغم وجود خلاف حيال الدعم الروسي لصدام حسين في العراق وللأسد في سوريا وللنظام الإسلامي الوليد في إيران، فقد باعت موسكو الأسلحة لطهران وساعدتها في برنامجها النووي منذئذ.

 

يمكن القول إنه منذ بداية الألفية سارت العلاقات الروسية-الإسرائيلية على خطى ثابتة، وتعزَّزت الروابط بين الجانبين بحكم دائرة النفوذ الكبيرة التي شكَّلها المهاجرون الروس في إسرائيل، التي تُعَد موطنا لأكثر من مليون مهاجر سوفيتي سابق توافدوا على إسرائيل طيلة التسعينيات، بل وجعلوا اللغة الروسية ثالث أكثر لغة انتشارا في إسرائيل. وقد قال بوتين بنفسه في أكثر من مناسبة إن “إسرائيل دولة ناطقة بالروسية”، ويتمتع اليهود الروس فيها بحرّية كبيرة، ويُشكِّلون جسرا متينا بين الدولتين. وقد شكَّلت سنوات حُكم بوتين مرحلة مهمة في العلاقات بالفعل، فكان أول زعيم روسي يزور إسرائيل عام 2005، وركَّز جهوده على تعميق التعاون في مجالات التكنولوجيا والسياحة والملفات العسكرية. وأيَّد بوتين بناء متحف يهودي في موسكو، وجعل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق “نتنياهو” ضيف شرف في موكب يوم النصر السنوي بموسكو عام 2018.

epa06723066 Serbian President Aleksandar Vucic (L), Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu (C) and Russian President Vladimir Putin (2-R) carry portraits of their relatives who fought in the World War II, during an Immortal Regiment memorial march in Moscow, Russia, 09 May 2018. Russia marks the 73rd Victory Day anniversary over Nazi Germany in World War II. EPA-EFE/ALEXEI DRUZHININ / SPUTNIK / KREMLIN POOL / POOL MANDATORY CREDIT
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (وسط الصورة) مع الرئيس الصربي ألكسندر فوسيتش (إلى اليسار) ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أمام اليمين) يسيران معًا لوضع إكليل من الزهور على قبر الجندي المجهول بعد استعراض يوم النصر في موسكو (الأوروبية)

شكَّل التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015 محطة مهمة في العلاقات بين البلدين، إذ حققا تقاربا ملحوظا على خلفية التداعيات السياسية والعسكرية المتعلِّقة بأمن إسرائيل في مواجهة النفوذ الإيراني بسوريا. وقد حرصت موسكو على طمأنة إسرائيل، مع السماح لها بتحقيق أهداف سياسية وعسكرية ذات أهمية قصوى بالنسبة إلى تل أبيب، شريطة ألا يؤثر ذلك على استقرار نظام الأسد وقبضته داخل سوريا. ومن ثمَّ، بات كُل طرف يراعي احتياجات الآخر الأمنية، وفي ضوء التردُّد والتخبُّط الغربي تجاه الأزمة السورية، نمت علاقات إسرائيل العسكرية بالروس، حتى صار الجيشان يعملان من أجل منع وقوع أي احتكاك أو صدام بينهما.

 

زيلينسكي يُعقِّد العلاقات الروسية-الإسرائيلية

تواصلت العلاقات الإيجابية بين موسكو وتل أبيب، وكذلك سارت العلاقات الطبيعية والتقليدية لكل طرف منهما بأعداء الآخر، حيث دعمت روسيا طهران واستضافت قادة حماس وامتنعت عن تصنيف حزب الله اللبناني منظمة إرهابية، فيما عزَّزت إسرائيل علاقاتها بالولايات المتحدة وأوروبا وأوكرانيا، لا سيَّما مع انتخاب “زيلينسكي” أول رئيس يهودي في كييف. بيد أن هذه الخيوط التي نجح الطرفان في نسجها بعناية دون صدامات تُذكَر، سرعان ما تعقَّدت إثر اندلاع الحرب الأوكرانية في فبراير/شباط الماضي. فمع بداية الحرب وقعت إسرائيل بين نارين، نار حماية مصالحها مع موسكو من جهة بما فيها الملفات المشتركة في سوريا والصولات والجولات التي قام بها الطيران الإسرائيلي في سماء البلاد، ونار الانحياز التقليدي للتحالف الغربي، وهو وضعٌ دفع إسرائيل للسير على خيط رفيع، فلم تجهر بدعمها للأوكرانيين خوفا من الغضب الروسي، وحاولت في الوقت نفسه التوسُّط بين الدولتين المتنازعتين.

 

مع احتدام الحرب، بدأ يضيق الهامش الذي منحته واشنطن لتل ابيب من أجل التحرُّك بحرّية في هذه الأزمة بما يناسب مصالحها وحساباتها، ولذا أُجبِرَت تل أبيب على تغيير موقفها تدريجيا بعد أن أدركت أن الامتناع عن الانحياز الصريح للمعسكر الغربي سيضر بعلاقتها مع الولايات المتحدة في تلك النقطة الفاصلة من تاريخ العلاقات بين روسيا والغرب. ومن ثمَّ، توالت خطوات أكثر صراحة من إسرائيل، فصارت أول دولة تنشئ مستشفى ميدانيا في أوكرانيا، وأرسلت شحنات من معدات الحماية إلى خدمات الطوارئ الأوكرانية، وقرَّرت التصويت لصالح قرار الأمم المتحدة بتعليق عضوية روسيا في لجنة حقوق الإنسان في أبريل/نيسان الماضي.

epa09815506 David Lau (C) Ashkenazi Chief Rabbi of Israel posses for a picture with United Hatzalah emergency medical organization special delegation to bring Ukrainian Jews who fled from the war to Israel at the Airport of Chisinau, Moldova, 10 March 2022. A group of 150 people were brought on a special rescue flight to bring Ukrainian Jews from Chisinau to Israel. Jewish aid organizations began assisting thousands of Jews in Ukraine since the beginning of the Russian invasion into the county, and are also facilitating the transfer of refugees who are fleeing fighting into Israel. About 300 Ukrainian Jews who fled through Poland and Moldova, as well as some 100 children who had been living in a Jewish orphanage, arrived in Israel on 06 March at the beginning of an operation organized by the Israeli government and Jewish Agency to allow Jewish immigrants fleeing the war in Ukraine into Israel. EPA-EFE/ABIR SULTAN
صورة مع الوفد الخاص لمنظمة الطوارئ الطبية المتحدة هاتسالا لجلب اليهود الأوكرانيين الذين فروا من الحرب إلى إسرائيل في مطار تشيسيناو ، مولدوفا ، 10 مارس 2022 (الأوروبية)

بدورها، غيَّرت موسكو نبرتها تجاه تل أبيب، وانتقدت الاعتداءات الإسرائيلية في القدس، وساعدت النظام السوري بإسقاط صاروخ دقيق التوجيه أطلِق من إسرائيل رغم تغاضيها سابقا عن عمليات شبيهة. ولم تتوانَ موسكو عن دعم مظاهرات مناهضة لأوكرانيا داخل إسرائيل نفسها، إذ اندلعت التظاهرات أمام السفارة الأوكرانية وفي مدينة حيفا، كما طالبت موسكو إسرائيل بتسليم روسيا سلطة الإشراف على المجمع الروسي بالقدس وإدارته، والذي يضمُّ كنيسة “الثالوث الأقدس” الأرثوذكسية التي أنشئت منتصف القرن التاسع عشر.

 

رغم التوتُّر الملحوظ بين موسكو وتل أبيب، احتفظت إسرائيل بمسافة عن المكوِّن العسكري للدعم الغربي المُقدَّم إلى أوكرانيا، فلم تستجب حتى الآن للمطالب الأوكرانية بتقديم مساعدات عسكرية إلى كييف، ويعود ذلك لخشية إسرائيل من أن يؤدِّي ضلوعها العسكري في الأزمة إلى خسارتها حرية الحركة في سوريا نهائيا، حيث يُتوقَّع أن ترد موسكو على أي انخراط إسرائيلي في دعم كييف عسكريا بحرمانها من مميزات التحرُّك العسكري في سوريا، وهو ما سينجم عنه تعزيز الدور الإيراني في سوريا، الذي تعتبره إسرائيل خطرا مباشرا عليها. إذن، يظل ملف العلاقات العسكرية بمنأى عن التوتّر بين البلدين حاليا، الذي يقتصر على التراشق السياسي والمقاطعة الثقافية، وأبرز ما وقع في هذا الشأن قرار روسيا بحظر عمل الوكالة اليهودية على أراضيها.

 

روسيا تحاكم “الوكالة اليهودية”

في عام 2019، حكمت محكمة روسية بالسجن سبع سنوات ونصفا على الإسرائيلية الأميركية “نعمة يسسخار” بتهمة حيازة 10 غرامات من الماريجوانا اكتُشِفَت في حقائبها أثناء مرورها بمطار موسكو، وهي قضية شغلت الرأي العام الإسرائيلي آنذاك. ولم يتردَّد الروس حينئذ بطلب مقايضة الإفراج عن “يسسخار” بتسليم الإسرائيليين المواطن الروسي “ألِكسي بوركوف”، الذي احتجزته تل أبيب وكانت تستعد لتسليمه إلى الولايات المتحدة بتهمة تخطيط عمليات احتيال على بطاقات ائتمان بلغت قيمتها أكثر من 20 مليون دولار، وللاشتباه كذلك بصلته بالمخابرات الروسية. وفي خضم تصاعد التوترات آنذاك بين الولايات المتحدة وروسيا، انتهت القضية برفض إسرائيل الطلب الروسي، حيث سلَّمت تل أبيب “بوركوف” إلى واشنطن، وقايضت إطلاق سراح “يسسخار” بتنازل آخر لصالح روسيا، وهو نقل الإشراف على المجمع الروسي بالقدس القديمة إلى “جمعية فلسطين الإمبراطورية الأرثوذكسية الروسية”، بيد أن تلك الخطوة لم تكتمل، وسرعان ما ألغيت بعد توتُّر العلاقات الأخير.

عادت تلك القضية إلى الواجهة بعد قرار موسكو في يوليو/تموز تصفية الفرع الروسي للوكالة اليهودية التابعة لإسرائيل، فقد أمرت وزارة العدل الروسية الوكالةَ بوقف جميع نشاطاتها داخل البلاد، متذرِّعة بأن الوكالة اليهودية خالفت القانون بجمع وحفظ ونقل المعلومات عن المدنيين الروس في خضم جهودها لمساعدة اليهود الروس على الهجرة إلى إسرائيل. وعلى غرار الرسالة التي تلقَّتها الوكالة اليهودية، تلقت منظمات يهودية عديدة في روسيا رسائل تهديد في الأسابيع الأخيرة من وزارة العدل الروسية بخصوص أنشطتها هي الأخرى، وقد أفادت الرسائل بأن السلطات الروسية بوسعها اعتبار المنظمات “عميلا أجنبيا” ومن ثمَّ إغلاق المنظمات بالقوة.

 

تُعَد الوكالة اليهودية التي تأسَّست عام 1929 مسألة غير هيِّنة في إسرائيل، فهي أكبر منظمة يهودية غير ربحية في العالم، ولعبت دورا رئيسيا في إنشاء دولة الاحتلال عام 1948، وسهَّلت هجرة ملايين اليهود من شتى أنحاء العالم إلى فلسطين. وبدأت الوكالة عملها في روسيا عام 1989 من أجل مساعدة اليهود الراغبين بالانتقال إلى إسرائيل على خلفية الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لسقوط الاتحاد السوفيتي. وقد وصل حوالي مليون مهاجر من الاتحاد السوفيتي السابق إلى إسرائيل حتى نهاية التسعينيات، حتى بات الروس نسبة مُعتبرة من السُكَّان في إسرائيل. وقد أدارت الوكالة مدارس الأحد ودروس العبرية في جميع أنحاء روسيا، كما نشطت لخدمة اليهود في أوكرانيا، إذ يدعو موقعها الإلكتروني الناطق بالروسية زوَّاره إلى إدخال أسماء أقاربهم اليهود في أوكرانيا كي يتيحوا للوكالة “مساعدتهم وإنقاذهم من منطقة الحرب، وتزويدهم بمأوى مؤقَّت وتمكينهم من العودة إلى إسرائيل”.

 

يؤمن الإسرائيليون بأن هذه الخطوة السياسية تعود بالأساس إلى موقف موسكو من إسرائيل بعد الحرب الأوكرانية، فقد باتت إسرائيل بعد الحرب واحدة من الوجهات الرئيسية للمهاجرين الراغبين في الفرار من روسيا بسبب اشتداد القبضة الأمنية فيها وتعثُّر الوضع الاقتصادي الذي خنقته العقوبات الدولية. ويشمل المهاجرون العديد من العمال بصناعات التكنولوجيا الروسية، حيث سُجِّل حوالي 16 ألف مواطن روسي بوصفهم مهاجرين في إسرائيل عن طريق الوكالة اليهودية منذ بداية الحرب، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما سُجِّل العام الماضي (2021) بأكمله. هذا وبثَّ القرار الروسي مخاوف عدة في تل أبيب التي تخشى تأثّر المجتمع اليهودي في روسيا بعرقلة نشاطات الوكالة التعليمية والثقافية، واحتمالية اتخاذ إجراءات إضافية ضد المنظمات اليهودية الأخرى، بل وربما منع اليهود الروس من المغادرة إلى إسرائيل.

مع بدء محكمة الوكالة اليهودية في أروقة المحاكم الروسية في موسكو، والنظر في دعوى قضائية لاستبعاد الوكالة اليهودية للهجرة من العمل على الأراضي الروسية، تبدو الأمور مرشحة لتدهور أكبر، لا سيَّما على الصعيد الاقتصادي، فقد وصل حجم التبادل التجاري بين روسيا وإسرائيل عام 2020 إلى حوالي 3.8 مليارات دولار، وتُعَد استثمارات كبار الأثرياء الروس في الاقتصاد الإسرائيلي كبيرة، ناهيك بما بنوه من علاقات متينة بوزراء وأقطاب السياسة والمجتمع في إسرائيل، وهي علاقات أتاحت لمعظمهم حيازة الجنسية الإسرائيلية، حيث بات جواز السفر الإسرائيلي واحدا من أكثر جوازات السفر الثانية شيوعا بين المليارديرات الروس.

 

توتُّر حقيقي أم كبوة قصيرة؟

مع بزوغ فجر يوم 22 يوليو/تموز الماضي، أفضى تجوُّل الطيران الإسرائيلي المعتاد في سماء العاصمة السورية دمشق إلى توجيه رشقات صاروخية لمكاتب المخابرات الجوية ومستودع أسلحة إيراني في محيط السيدة زينب؛ ما أسفر عن قتل ثلاثة عسكريين سوريين، وهو ما يشي بأن عمل دولة الاحتلال الإسرائيلي في الأجواء السورية يسير كالمعتاد. بيد أنه ثمَّة دلائل على تغيُّر درجة التسامح الروسي مع الضربات الجوية الإسرائيلية التي تهدف إلى إضعاف النفوذ العسكري الإيراني في سوريا، حيث أطلقت طائرة روسية صواريخها للمرة الأولى على طائرات إسرائيلية بسوريا في مايو/أيار الماضي، كما طلبت روسيا من إسرائيل وقف حملتها الجوية السرية ضد الأهداف الإيرانية في البلاد، وذلك بعد أن قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية موقعا إيرانيا قريبا نسبيا من القاعدة البحرية الروسية في طرطوس، وهو اليوم نفسه الذي تلقت فيه إسرائيل خبر إغلاق الوكالة اليهودية في روسيا.

 

بادئ ذي بدء، يمكن القول إن استنزاف الموارد العسكرية الروسية في سوريا لصالح الحرب في أوكرانيا ألقى بظلاله على سياسة موسكو تجاه العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا، على اعتبار أن موسكو باتت ترى في الحفاظ على النفوذ العسكري الإيراني أمرا أهم من أي وقت مضى لتحقيق هدفها وتعزيز سيطرة الرئيس السوري بشار الأسد على البلاد. في الوقت نفسه، يبدو أن التهديد بوقف الوكالة اليهودية يحمل في طياته رسالة تحذير لرئيس الوزراء الحالي “يائير لَبيد”، الذي لم يتصل ببوتين منذ أصبح رئيسا للوزراء، والذي أشرف بنفسه على تصويت إسرائيل لطرد روسيا من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

في النهاية، رغم أن البلدين يكرهان الدخول في أي مواجهة عسكرية، ويحرصان على تفادي تضارب المصالح، فإن الكثير من التوقعات مرهونة بسلوكهما حيال الحرب وتداعياتها، بيد أن إصرار موسكو على إعادة صياغة العلاقة قد يأخذ الأمور نحو تصعيد يؤدي إلى برود دبلوماسي شبيه بالحرب الباردة أو ربما تراشق عسكري قد تزداد وتيرته في سوريا.

 

فمن غير السهل على إسرائيل التي وضعت صوب أعينها مواجهة إيران في سوريا أن تتنازل عن هدفها؛ ما يضع موسكو أمام خيارين: إما أن تخاطر بصورتها بوصفها حليفا وثيقا للنظام السوري فتُضحِّي جزئيا بتحالفها مع إيران من أجل إرضاء إسرائيل، وهي صيغة قد تُسعِد الدول الغربية الراغبة برؤية انحسار الدور الإيراني ولو لعبت روسيا دورا أكبر في ضبط الوضع بسوريا؛ وإما أن تواجه إسرائيل وتتمسَّك بتحالفها الإيراني. لقد بات السيناريو الأخير الآن أكثر احتمالا بالنظر إلى التوتُّر الروسي-الإسرائيلي وتوطيد العلاقات الروسية-الإيرانية الجاري منذ اشتعال حرب أوكرانيا، التي يبدو أنها ستعيد ترتيب الكثير من الأوراق، ليس على الأراضي الأوكرانية فحسب، ولكن أيضا على أراضي سوريا وفي سمائها كذلك.


المصدر: وكالات + الجزيرة نت

Share.

صحفية عراقية من اربيل خريجة وزارة الاعلام في اربيل سنة 2004

Leave A Reply