غزة/القدس المحتلة – استكمالاً لمساعيها الحثيثة خلال السنوات الأخيرة لإحاطة نفسها بالجدران متعددة الأشكال، أطلقت إسرائيل مشروعا جديدا أسمته “الطريق الآمن”، ويضم جدارا إسمنتيا يمتد لنحو 4.6 كيلومترات، بهدف تحصين ما تسمى “مستوطنات غلاف غزة” من هجمات المقاومة الفلسطينية.

ويُنظر لهذا الجدار فلسطينيا باعتباره مؤشرا جديدا على فشل المنظومات الدفاعية الجوية الإسرائيلية، وأبرزها منظومة “القبة الحديدية”، في اعتراض القذائف والصواريخ التي تطلقها فصائل المقاومة في غزة.

ومنذ إحكامها الحصار على القطاع منتصف العام 2007، عملت إسرائيل على إقامة سياج أمني إلى جانب عقبات مختلفة كزراعة الأشجار الكثيفة ووضع سواتر ترابية بتخوم الطرقات المحاذية للحدود الشمالية للقطاع، في محاولة للتقليل من نجاعة القذائف المضادة للدبابات، وتوفير الحماية للمستوطنين المسافرين على الطرقات القريبة.

لكن هذا النوع من القذائف هزم الاحتلال وأخفقت منظوماته المختلفة في اعتراضها، ولا تزال تشكل خطرا على المستوطنين في “غلاف غزة”، وأيضا على قوات الجيش الإسرائيلي، خاصة في أوقات الطوارئ والحروب والتصعيد مع غزة.

مسؤولون عسكريون إسرائيليون يدشنون “الجدار الفولاذي الذكي” بطول 65 كيلومترا مع غزة بنهاية 2021 (الجيش الإسرائيلي)

دولة الجدران

ولا يبدو أن مثل هذا الجدار سيقف عائقا أمام المقاومة في غزة، التي حققت نجاحات لافتة في أوقات سابقة في التعامل مع ما تستحدثه إسرائيل من تحصينات، وفق تأكيد القيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إسماعيل رضوان، الذي قال للجزيرة نت “كل هذه الإجراءات لن توقف المقاومة ولن تجلب الأمن للمستوطنين”.

وبرأي رضوان، فإن الاحتلال “يعيش حالة هلع ورعب، ولا يزال تحت تأثير المعادلة التي فرضتها المقاومة في معركة سيف القدس، وتقوم على مبدأ توازن الردع”.

وهذا الجدار ليس اختراعا جديدا، فإسرائيل أصبحت “دولة الجدران” التي تحيط بها في كل مكان ومن كل جانب، خشية لحظة “الانفجار الفلسطيني”، بحسب رضوان. وقال “في كل مرة فشلت هذه التحصينات في وقف مقاومة شعبنا، والمقاومة التي استطاعت توجيه الضربات المؤلمة للعدو، لن تعجز عن إيجاد السبيل لقهر جدرانه وتحصيناته”.

ويتفق الناطق باسم حركة الجهاد الإسلامي طارق سلمي مع رضوان، ويؤكد للجزيرة نت أن “المقاومة في حالة إعداد وتجهيز لا تتوقف، ولا تأمن مكر العدو، وقادرة على قهره”.

وقال “لا نذيع سرا عندما نقول إن المقاومة لا تنظر إلى هذه التحصينات كعائق، وهي التي تعدّ العدة والخطط للحظة اقتحام واسعة للحدود مع غزة، وأسر جنود إسرائيليين، وقد أبدت بالفعل أوساط إسرائيلية مخاوفها من هذا السيناريو”.

وينظر سلمي إلى سياسة بناء الجدران التي تنتهجها إسرائيل على أنها هدر للمال بلا جدوى، وقد أثبتت المقاومة في مواجهات سابقة قدرتها على التأقلم مع الوقائع على الأرض، ودراسة نقاط ضعف “العدو” وضربه من حيث لا يحتسب.

وخلال معركة “سيف القدس” في مايو/أيار 2021، التي سمّاها الاحتلال “عملية حارس الأسوار”، وثقت حركتا حماس والجهاد الإسلامي نجاحهما في تتنفيذ عمليات استهداف لحافلات عسكرية إسرائيلية بصواريخ وقذائف متوسطة المدى، متجاوزة عقبة التحصينات الإسرائيلية في الجهتين الشرقية والشمالية للقطاع.

ويأتي مشروع “الطريق الآمن” الذي شرعت فيه إسرائيل وسيتم تدشينه الصيف المقبل، لتوفير الحماية للمستوطنات على مدار العام، وضمان حرية الحركة والتنقل لهم في أوقات التوتر الأمني، وتأمين وصولهم إلى الملاجئ.

وكجزء من المشروع الذي يكلف حوالي 50 مليون دولار، ستبني وزارة الأمن الإسرائيلية جدارا إسمنتيا بالتعاون مع وزارة المواصلات وقسم الهندسة والبناء والهيئات الهندسية في الجيش الإسرائيلي، بطول 4.6 كيلومترات على الطريق السريع 34، وكذلك على طول أقسام الطريق السريع 232، بالإضافة إلى أنه سيتم إنشاء ممرات للدراجات في المنطقة.

الأمن المفقود

ويعدّ المشروع جزءا من عمل طويل ومستمر بالشراكة ما بين القيادة الجنوبية لجيش الاحتلال و”فرقة غزة” بالتعاون الكامل مع مستوطنات “غلاف غزة”، وذلك بهدف تحسين الأمن في المنطقة، دون الإضرار بنسيج الحياة الاجتماعية للمستوطنين، مع الحفاظ على طابع المنطقة، وفقا لبيان صادر عن المتحدث باسم جيش الاحتلال.

وقال قائد “فرقة غزة” آفي روزنفيلد، في تصريح مقتضب، إن “الجدار سيسهم في توفير الأمن والأمان للإسرائيليين سكان المنطقة، وتطور وازدهار الاستيطان، على الرغم من التهديدات من غزة”.

وأوضح أن الغرض من المشروع “تمكين حركة المرور المحمية من التهديدات على الطرق المركزية في مستوطنات غلاف غزة”. وقال إن “الأجهزة الأمنية ستواصل العمل بشكل دفاعي وهجومي من أجل أمن المستوطنات الجنوبية”.

استهداف مدرعة إسرائيلية بصاروخين حراريين من نوع كورنيت
مقاوم فلسطيني يستهدف مدرعة إسرائيلية بصاروخ من نوع “كورنيت” (مواقع التواصل)

سباق محموم

وقال الباحث والمختص الإسرائيلي في الشؤون العسكرية عوزي روبين إنه منذ العملية العسكرية “الجرف الصامد” (العدوان على غزة عام 2014) وحتى عملية “الفجر الصادق” (عدوان 2022)، وإسرائيل في سباق محموم من أجل تطوير قدراتها الجوية الدفاعية، وأيضا تقويض قدرة الفصائل على إطلاق الصواريخ على العمق الإسرائيلي، ومنع إطلاق القذائف المضادة للدبابات على مستوطنات “غلاف غزة”.

يقول روبين للجزيرة نت إنه ليس من الواضح من سيحسم معركة الصواريخ والقذائف المضادة للدبابات، مشيرا إلى أن الجدار الإسمنتي قرب “مستوطنات الغلاف” يؤكد أن القبة الحديدية ليس بمقدورها اعتراض القذائف المضادة للدبابات. كما أن هذا الجدار بمثابة اختبار لفحص مدى نجاعته في تحصين المنطقة على مدار العام، والحماية من القذائف خلال الأحداث الأمنية والعمليات العسكرية.

ويعتقد المختص في الشؤون العسكرية أن بناء الجدار وكذلك التجارب الصاروخية للفصائل في غزة في الآونة الأخيرة، يعكسان السباق المتواصل بين الجيش الإسرائيلي والفصائل المسلحة، في كل ما يتعلق بتطوير المنظومات الدفاعية الجوية والصواريخ والقذائف المضادة للدبابات.

وبرأيه، فإن كافة العمليات العسكرية أظهرت أن الفصائل المسلحة عزّزت من قدراتها الصاروخية، رغم التطوير والابتكارات للمنظومات الدفاعية الإسرائيلية، ورغم الجداران والعوائق، والوقائع التي فرضها الجيش على طول السياج الأمني مع غزة.

تحصين غير مضمون

يأتي مشروع “الطريق الآمن” استكمالا لمشروع “الجدار الأمني الفولاذي الذكي”، الممتد على طول 65 كيلومترا فوق الأرض وتحتها، والذي دشن في ديسمبر/كانون الأول 2021 بكلفة 1.2 مليار دولار، ويبدأ من بيت حانون شمال القطاع حتى رفح جنوبا، بمتوسط ارتفاع 8 أمتارات وعمق 25 مترا تحت الأرض. ويهدف إلى إحباط الأنفاق الهجومية ومنع تسلل أفراد المقاومة إلى مستوطنات “غلاف غزة”.

وبرأي المحلل السياسي المختص بالشؤون الإسرائيلية مصطفى إبراهيم، فإن “الطريق الآمن” محاولة من إسرائيل للحد من خطر الصواريخ المضادة للدبابات التي استخدمتها المقاومة في استهداف حافلات إسرائيلية وأصابتها بشكل مباشر. “ولذلك تهدف إسرائيل إلى إخفاء الطرق وحركة المستوطنين في غلاف غزة عن أعين المقاومة”.

ويعتقد إبراهيم، في حديث للجزيرة نت، أن هذا المشروع قد يحمي إلى حد ما المستوطنين في المستوطنات المحيطة بغزة، لكنه لن يوفر لهم الأمن التام في أية مواجهة محتملة في ظل الائتلاف الحاكم المتطرف الجديد في إسرائيل.

ويستند إبراهيم في هذا الاعتقاد إلى تجارب سابقة للمقاومة أثبتت قدرتها على الإبداع وإيجاد البدائل لتجاوز عقبة التحصينات الإسرائيلية سواء الجدران أو العوائق الترابية أو التقنية كالقبة الحديدية.

المصدر: وكالات + الجزيرة نت

Share.

صحفية عراقية من اربيل خريجة وزارة الاعلام في اربيل سنة 2004

Leave A Reply